آراء ومساهماتالأخبار المميزة
أخر الأخبار

انتخابات 12 جوان وفق النموذج التعددي الافتراضي… بين التمني والتوقع والترشيح

بعيداً عن المصطلحات السياسية العميقة المتعارف عليها أكاديميا الهندسة السياسية والدمقرطة الانتخابية، والتشاركية المجتمعية، والرقمنة التصويتية، والديمقراطية العادلة، أود أن أخوض في أساسيات التوقع الانتخابي في ظل عدم اليقين الذي ندرسه في الاقتصاد، ولكن من وجهة نظر سياسية، للاستئناس بنمذجة سياسية افتراضية واعتباطية بعيداً عن النموذج الاختزالي الصعب تحقيقه حتى في ظل توفر كل المعطيات الكمية والكيفية ( النموذج التفسيري الاختزالي للمفكر المصري عبد الوهاب المسيري) للمشهد السياسي خاصة في ولاية الجلفة التي تشهد احتدام انتخابي لم نشهده سابقاً.

أولاً: مدخل مفاهيمي للنموذج التعددي الافتراضي

النموذج السياسي التعددي يفترض خروج كوكتال من العلبة الانتخابية الناتج عن اللعبة السياسية، لمزيج متنوع يخضع للمعايير الدولية والعلمية التي يتوفر عليها أي مترشح في العالم يود أن يخدم بلده قبل أن يخدم بلدته، ويخدم بلدته قبل أن يخدم عشيرته، ويخدم عشيرته قبل أن يخدم نفسه، هذا النموذج المثالي الأفلاطوني المفترض عدم تحقيقه في ظل وجود بيئة رمادية، لا يمكن تحقيقه أو التكهن به، إلا إذا استطعنا الإحاطة بكل المتغيرات الكيفية التي يمكن أن تحدد هذا النموذج التعددي الافتراضي.

لكن سأحاول الأخذ بالتكهن السياسي المبنى على المعلومات التي تأتينا من هنا ومن هناك، ومحاولة نمذجتها افتراضيا، للخروج بنموذج مركب يمكننا الوصول إلى الحقيقة المتوقعة، لكن ليس إلى اليقين المطلق أو التفسير النهائي (فالمعرفة تكون في حدود إمكانيات الإنسان أما الحقيقة المطلقة لا يمكن الوصول اليها، وهي عند الله)، لكن باعتبار عدم وجود مراكز لصبر الآراء، أو نماذج قياسية للتنبؤ السياسي، وفي ظل ضبابية المشهد الانتخابي، يبقى النموذج المتوقع خارج الصندوق، هو اجتهاد خاص و فقط.

الحديث عن النموذج التعددي المرتقب تحقيقه، من خلال المشهد السياسي، وبعد انتهاء الحملة الإنتخابية في ولاية الجلفة، والتي بدأت معالم برهانه تتضح نوعا ما في حدود المتغيرات التفسيرية المتوفرة والمتعارف عليها.

ثانياً: بعض المتغيرات التفسيرية للنموذج التعددي الافتراضي

1 – العصبية العشائرية: والتي ستأخذ كإحدى المتغيرات التفسيرية للنموذج، خاصة ابن البلدية أو الدائرة أو الحي أو العرش.

2 – التوزيع الجغرافي المناطقي: أو ما أسميه الحيز المكاني للوعاء الثابت، سيكون مؤثر جداً في بناء النموذج.

3 – الهيكلة السياسية للحزب أو صورة الحزب: لها تأثير كبير، وقد يحدد النموذج المتوقع التفسيري بنسبة كبيرة، رغم كره المواطن للأحزاب الكلاسيكية المتعود عليها، والتي كانت بؤرة لارتماء أصحاب النفوذ والمال الفاسد، لكن هناك من كان لهم دور في حماية بعض أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة من الزوال، واستطاعت الأحزاب أن تستميت بهم في آخر لحظة.

4 – الكاريزما السياسية والمكانة الاجتماعية للمترشح: هناك من يملكون خامة سياسية وقدرة تأثيرية في المجتمع، لكن عتبة القائمة ستخونهم، ضف إلى ذلك ضعف صيت من معهم في القائمة خاصة في القوائم الحرة، سيؤثر بالسلب على القائمة الحرة أو الحزب.

5 – معضلة العتبة: ليس هناك من يتكهن بعدد المنتخبين خاصة في ولاية الجلفة، التي أعطت نسبة 70 بالمئة للرئيس المنتخب عبد المجيد تبون في الرئاسيات السابقة، وأعطت 60 بالمئة من خلال رفضها للدستور، في ظل المعطيات التي تشير إلى جر كل من كان مقاطع للانتخابات إلى صناديق الاقتراع بحجة نداء ابن العرش، أو ابن البلدية، أو ابن الحي، أو ابن الحزب، أو الزمالة…إلخ..ستكون نسبة المشاركة معتبرة وبالتالي سترفع نسبة التصويت، ويبقى في خانة اللعبة من يتجاوز العتبة.

6 – المجتمع الفايسبوكي نعمة وقد يكون نقمة: هذا المتغير قد لا يحسب له حساب، إذ أن غالبية المترشحين امتنعوا عن اللقاءات الجوارية، واكتفوا بالحملات الفايسبوكية والصور الفوتوغرافية عبر الترويج الإلكتروني لاستقطاب أكبر فئة من المجتمع الفايسبوكي، هذا التسويق السياسي قد يأتي بأكله في حالة توفر أصحاب شعارات بالتوفيق على بطاقة الناخب.

7 – التسويق الانتخابي: من خلال اللقاءات الجوارية والتجمعات الرياضية، والمشاركة عبر المنابر الإعلامية لتسويق أعضاء القائمة و برنامجها، لكن يبقى هذا المتغير متوقف على درجة المنتجات السياسية التي يستطيع الزبون قبولها أو رفضها.

8 – الإقناع الأدبي الانتخابي: وهذا المتغير يؤثر كثيرا في بناء النموذج، فالمشكلة الانتخابية تكمن في العزوف عن التصويت، نظراً لتراكمات الانتخابات السابقة والوعود الكاذبة من قبل المنتخبين السابقين، وعدم تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطن.

9 – المنافسة السياسية بين الأحزاب والقوائم الحرة: يمكن الاعتماد على المنافسة السياسية الشريفة والغير شريفة، في التعريف بالبرنامج و ذكر مميزات وخصائص المترشحين، أو ذكر عيوب الآخرين و اتهامهم بالخيانة والمال الفاسد وموالاة النظام السابق.

10 – الخيانة السياسية داخل القائمة: وهذا معطى جديد في ظل قانون الانتخابات الجديد، الذي يسمح بالتحالفات داخل القائمة الواحدة أو الحزب الواحد، مما قد يكرس نوع من النية السياسية المبيتة التي تخدم الأشخاص أكثر من القائمة أو الحزب.

ثالثاً: بناء النموذج التعددي الافتراضي

الحقيقة أن هناك عدة نماذج سلوكية قياسية نذكر منها على سبيل المثال نموذج فيشبين 1979 الذي قدم نظرية لتطوير وتكوين الموقف وتقديره من خلال إيجاد العلاقات المتولدة لدى الشخص والموقف، حيث يعمل هذا النموذج على قياس سلوكيات المنتخبين والمترشحين من خلال نقاط القوة والضعف، وباعتبار أن هذا النموذج التعددي الذي تناولته من -باب الترف الفكري- للفوز بإحدى مقاعد البرلمان ما هو إلا محاكاة ما درسناه في الاقتصاد بالسياسة والواقع الاجتماعي للخروج بتكهن أو توقع سياسي للبرلمان الذي سيشكل بعد 12 جوان.

الحقيقة أن المتغيرات التي تحدث عنها قد تكون نقاط قوة وقد تكون نقاط ضعف، ومن خلال النموذج التعددي التفسيري لسلوك المنتخبين والمترشحين والذي لا أملك ارقام حول هذه المتغيرات، أكيد انها ستصنع الفارق باعتبار أن الفرضية الصفرية تكمن في أن الكل سيفوز بمقعد في البرلمان، والفرضية البديلة تقول العكس.

بعض المتغيرات التفسيرية مثل صورة الحزب تغيرت بتغير الأشخاص، وصورة القائمة متوقفة على نشاط مرشحيها وسمعتهم الاجتماعية ومكانتهم العشائرية، والتسويق السياسي عبر المواقع الاجتماعية والقنوات الإعلامية له دور، باعتبار أن الكل يستطيع الحديث في السياسة والكل له طريقة في فن الإقناع الانتخابي والتبلعيط السياسي، الأكيد أن المتغيرات التفسيرية لو تم نمذجتها، لخرجنا بأنموذج أمثل، لكن الشوشرة والضبابية الانتخابية قد تشوش على النموذج التعددي التفسيري المبنى على سلوكيات المترشحين و المنتخبين.

بقلم الدكتور شيبوط سليمان. أستاذ الاقتصاد بجامعة الجلفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى